الشيخ عبد الغني النابلسي

209

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

وأمّا تليين الحديد فقلوب قاسية يليّنها الزّجر والوعيد تليين النّار الحديد . وإنّما الصّعب قلوب أشدّ قساوة من الحجارة ، فإنّ الحجارة تكسّرها وتكلّسها النّار ولا تليّنها : وما ألان له الحديد إلّا لعمل الدّروع الواقية تنبيها من اللّه : أي لا يتّقى الشّيء إلّا بنفسه ، فإنّ الدّرع يتّقى بها السّنان والسّيف والسّكّين والنّصل ، فاتّقيت الحديد بالحديد . فجاء الشّرع المحمّديّ بأعوذ بك منك . فافهم ، فهذا روح تليين الحديد فهو المنتقم الرّحيم . واللّه الموفّق . وأما تليين الحديد لداود عليه السلام كما قال اللّه تعالى : وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ [ سبأ : 10 - 11 ] ، فقلوب القوم غافلين عن اللّه تعالى قاسية من كثرة جهلها به سبحانه كما قال اللّه تعالى : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ [ البقرة : 74 ] ، وهم أصحاب البقرة الذين هم كالبقر اليهود الذين كان فيهم داود عليه السلام يلينها الزجر والوعيد ، أي الإنذار والتخويف مثل تليين النار الحديد حين ألقاه به فيها ، وذلك مما أكرم اللّه تعالى به داود عليه السلام وإنما الصعب قلوب القوم أكثر غفلة من الأوّلين أشد قسوة من الحجارة والحجارة أقسى من الحديد وهذه القلوب أقسى من الحجارة فإن الحديد تلينه النار والحجارة تكسرها وتكلسها ، أي تجعلها كلسا النار ولا تلينها وهذه القلوب القاسية لا تلينها المواعظ والآيات في الدنيا ولا النار في الآخرة ، ولهذا تبقى فيها إلى الأبد من غير تأثير فيها وما ألان اللّه تعالى له ، أي لداود عليه السلام الحديد إلا لعمل الدروع جمع درع الواقية ، أي الحافظة لمن يلبسها من معرة السلاح تنبيها من اللّه تعالى لداود عليه السلام وغيره على سر خفي أن لا يتّقى الشيء إلا بنفسه فنفسه وقاية منه فإن الدرع من الحديد يتقى به السنان جمع سن وهو نصل الرمح والسيف والسكين والنصل من السهام وهي من الحديد فاتقيت الحديد بالحديد فجاء الشرع المحمدي في نظير ذلك التنبيه بأعوذ ، أي بقول نبينا صلى اللّه عليه وسلم في دعائه : « اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » « 1 » ، خرجه السيوطي في الجامع الصغير ، فلا تحصل الوقاية من اللّه تعالى إلا باللّه تعالى ، فكل من اتقاه بنفسه

--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .